العيني

206

عمدة القاري

التي كان صلى الله عليه وسلم يصلي فيها ، ويدور ناقته حيث أدارها تبركاً بالاقتداء به وحرصاً على اقتفاء آثاره . وفيه : التبسط على الصاحب واستدعاء ما كان عنده من مأكول ومشروب ، وتعظيمه بدعائه بكنيته . 5638 حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُدْرِكٍ قال : حدّثني يَحيى بنُ حَمَّادٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ ، قال : رَأيْتُ قَدَحَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم . عِنْدَ أنَسِ بنِ مالِكٍ ، وكانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ . قال : وهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ منْ نُضار ، قال : قال أنَسٌ : لَقَدْ سَقَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، في هاذا القَدَحِ أكْثَرَ مِنْ كَذَا وكَذا . قال : وقال ابنُ سِيرينَ : إنَّهُ كانَ فيهِ حَلْقَة مِنْ حَدِيدٍ فأرَادَ أنَسٌ أنْ يَجْعَلَ مَكَانَها حلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ ، فقال له أبُو طَلْحَةَ : لا تُغَيِّرَنَّ شَيْئاً صَنَعَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فَتَرَكَهُ . ( انظر الحديث 3109 ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو عوانة الوضاح اليشكري . والحديث قد مرت منه قطعة في أواخر كتاب الجهاد في : باب ما جاء من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه ، أخرجها عن عبدان عن أبي حمزة عن عاصم عن ابن سيرين عن أنس ابن مالك : أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة ، قال عاصم : رأيت القدح وشربت منه . قوله : ( قد انصدع ) أي : انشق . قوله : ( فسلسله بفضة ) ، أي : وصل بعضه ببعض ، وظاهره أن الذي وصله هو أنس ، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ظاهر رواية أبي حمزة المذكورة الآن . قوله : ( قال : وهو قدح ) القائل هو عاصم الأحول . قوله : ( عريض ) يعني : ليس بمتطاول ، بل طوله أقصر من عمقه . قوله : ( من نضار ) بضم النون وتخفيف الضاد المعجمة وبالراء . وقال أبو حنيفة بضم النون وكسرها وهو أجود الخشب للآنية ويعمل منه ما رقّ من الأقداح واتسع وما غلظ ، وقال ابن الأعرابي : النضار النبع ، وقال أيضاً : هو شجر الأثل ، والنضار الخالص من كل شيء ، وقال ابن سيده : من التبر والخشب . وقال ابن فارس : النضار أثل يكون بالغور ، وقيل : إنه من الأثل الطويل المستقيم الغصون ، وقال القزاز : العرب تقول : قدح نضار ، مضاف إلى هذا الخشب ، وإنما سمى الأثل نضاراً لأنه ينبت في الجبل ، وذكر شمر أن النضار هذه الأقداح الحمر الحبشانية . قوله : ( قال : قال أنس ) أي : قال عاصم الأحول : قال أنس بن مالك : ( لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وروى مسلم من حديث ثابت عن أنس قال : لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله : العسل والنبيذ والماء واللبن . قوله : ( قال : وقال ابن سيرين ) أي : قال عاصم : وقال محمد بن سيرين ، موصول بالإسناد المتقدم . قوله : ( أو فضة ) شك من الراوي . قوله : ( قال أبو طلحة ) هو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم والدة أنس . قوله : ( لا تغيرن ) كذا بنون التأكيد في رواية الأكثرين : وفي رواية الكشميهني : لا تغير ، بدون نون التأكيد . وكلام أبي طلحة هذا إن كان سمعه ابن سيرين من أنس وإلاَّ فيكون أرسله عن أبي طلحة لأنه لم يلقه . وفي الحديث : جواز اتخاذ ضبة الفضة ، وكذلك السلسلة والحلقة ، ولكن فيه اختلاف . فقال الخطابي : منعه مطلقاً جماعة من الصحابة والتابعين ، وهو قول مالك والليث ، وعن مالك : يجوز من الفضة إذا كان يسيراً ، وكرهه الشافعي ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : فلا بأس إذا اتقى وقت الشرب موضع الفضة ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وتحرم ضبة الذهب مطلقاً ومنهم من سوّى بين ضبتي الفضة والذهب . فإن قلت : روى الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق زكرياء ابن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من شرب في إناء من ذهب أو فضة ، أو في إناء فيه شيء من ذلك ، فإنما يجر جر في بطنه نار جهنم . قلت : قال أبو الحسن بن القطان : زكرياء وأبوه لا يعرف لهما حال ، وقيل : الحديث معلول بإبراهيم ، فإنه مجهول وكذا ولده وروى الطبراني في ( الأوسط ) من حديث أم عطية : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، نهى عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح ، ثم رخص في تفضيض الأقداح ، وهو حجة على الشافعي . 31 ( ( بابُ شُرْبِ البَرَكَةِ والماءِ المُبَارَكِ ) ) أي : هذا باب في بيان شرب البركة ، وأراد بالبركة الماء ، وأطلق عليه هذا الاسم لأن العرب تسمي الشيء المبارك فيه : بركة ،